الياس شوفاني
290
الموجز في تاريخ فلسطين السياسي
والاجتماعات . وإذ استطاع القمع أن يكبح تطور الحركة الوطنية والثقافية ، فإنه لم يجهز عليها بالكامل . فقد استمرت هذه الحركة في إنتاج الكتّاب والمفكرين . ويبرز بين هؤلاء الكاتب والمفكر السوري ( الحلبي ) عبد الرحمن الكواكبي ( 1849 - 1903 م ) . وكان الكواكبي من مناهضي ظلم عبد الحميد ، والمعارضين لمعاصره ، وابن بلده ، أبو الهدى من بطانة عبد الحميد ، والذي كان « نقيب الأشراف » . ودعا الكواكبي إلى إحياء الحضارة العربية وتعزيزها . وميّز الحركة الوطنية من الدين ، وقاوم التعصب الطائفي ، ودعا إلى محاربة الأمية . وفي سنة 1898 م ، طاله القمع الحميدي ، فرحل إلى مصر وأمضى بقية حياته هناك . وللكواكبي كتابان : « طبائع الاستبداد » و « أم القرى » . وقد ضمّن الأول منظوره الاجتماعي ، بينما عبر الثاني عن وجهة نظره السياسية . ورأى إحياء الخلافة ، وإيداعها في يد خليفة عربي قرشي ، تنتخبه « الأمة الإسلامية » ، وتعيّن إلى جانبه مجلسا استشاريا . ويتمتع الخليفة بحكم الحجاز ، يعينه في ذلك مجلس منتخب . وأكد الكواكبي على خصوصية العرب في إطار السلطنة العثمانية . في المقابل ، كان الظلم الحميدي ، الذي طال معارضيه من العرب والعثمانيين على حد سواء ، حافزا للوطنيين العرب على التعاون مع « الثوريين » العثمانيين ، من جمعية الاتحاد والترقي ( تركيا الفتاة ) ، من أجل إسقاط حكم عبد الحميد . وقد تشكلت هذه الجمعية ( 1894 م ) بعد أن فشلت سابقتها حركة العثمانيين الجدد ، بقيادة مدحت باشا ، في تحقيق نظام حكم دستوري في السلطنة . والعثمانيون الجدد ، الذين أوصلوا عبد الحميد إلى السلطة ، كانوا أول ضحايا قمعه . ومدحت باشا ، الذي أصبح الوزير الأول ( الصدر الأعظم ) ، أبعد إلى الحجاز ، واغتيل هناك . وإزاء تدهور أوضاع السلطنة ، وبالتالي إعلان إفلاسها الاقتصادي ، بسبب ضخامة ديونها ، راحت تتشكل تيارات ليبرالية في تركيا ، في مواجهة الاستبداد الحميدي . واعتقد الوطنيون العرب أنهم بالتعاون مع جمعية تركيا الفتاة ، يستطيعون تحقيق الحكم الذاتي للأقطار العربية ( بلاد الشام ) ، في إطار السلطنة العثمانية ، أو بالاستقلال عنها ، ولو بمساعدة دول أوروبا . وكان أعضاء تركيا الفتاة من الضباط والمثقفين الأتراك ، الذين أرادوا تحويل السلطنة إلى دولة دستورية . وقد تميّز عملهم ، بسبب مواقعهم في السلطة ، من جهة ، والقمع الحميدي من جهة أخرى ، بالتآمر والسرية ، والعمل على تحقيق أهدافهم عبر انقلاب في المركز . لكن أجهزة عبد الحميد اخترقت صفوفهم ، ونكلت بهم ، واضطر الكثيرون منهم إلى الهرب إلى الخارج ، وخصوصا إلى باريس . وفي باريس التقى الكاتب السياسي الفلسطيني النشيط ، نجيب عازوري ، مع